القرطبي
212
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
في الماء ، إذ هبت ريح فذرت الأوراق من اليابسات السود على الخضر المثمرات ، فأشعلت فيهن النار فأحرقتهن ، فصرن سودا مغبرات ، فانتبهت مذعورا أيها الملك ، فقال الملك : والله ما شأن هذه الرؤيا وإن كان عجبا بأعجب مما سمعت منك ! فما ترى في رؤياي ( 1 ) أيها الصديق ؟ فقال يوسف : أرى أن تجمع الطعام ، وتزرع زرعا كثيرا في هذه السنين المخصبة ، فإنك لو زرعت على حجر أو مدر لنبت ، وأظهر الله فيه النماء والبركة ، ثم ترفع الزرع في قصبه وسنبله تبني له المخازن العظام ( 2 ) ، فيكون القصب والسنبل علفا للدواب ، وحبه للناس ، وتأمر الناس فيرفعون من طعامهم إلى أهرائك ( 3 ) الخمس ، فيكفيك من الطعام الذي جمعته لأهل مصر ومن حولها ، ويأتيك الخلق من النواحي يمتارون منك ، ويجتمع عندك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد قبلك ، فقال الملك : ومن لي بتدبير هذه الأمور ؟ ولو جمعت أهل مصر جميعا ما أطاقوا ، ولم يكونوا فيه أمناء ، فقال يوسف عليه السلام [ عند ذلك ] ( 4 ) : " اجعلني على خزائن الأرض " [ يوسف : 55 ] أي على خزائن أرضك ، وهي جمع خزانة ، ودخلت الألف واللام عوضا من الإضافة ، كقول النابغة : لهم شيمة لم يعطها الله غيرهم * من الجود والأحلام غير كواذب قوله تعالى : ( استخلصه لنفسي ) جزم لأنه جواب الأمر ، وهذا يدل على أن قوله : " ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب " جرى في السجن . ويحتمل أنه جرى عند الملك ثم قال في مجلس آخر : " ائتوني به " [ يوسف : 50 ] تأكيدا " استخلصه لنفسي " أي اجعله خالصا لنفسي ، أفوض إليه أمر مملكتي ، فذهبوا فجاءوا به ، ودل على هذا : ( فلما كلمه ) أي كلم الملك يوسف ، وسأله عن الرؤيا فأجاب يوسف ، ف ( قال ) الملك : ( إنك اليوم لدينا مكين أمين ) أي متمكن نافذ القول ، " أمين " لا تخاف غدرا . قوله تعالى : قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ( 55 )
--> ( 1 ) في ع : فما ترى في هذه الرؤيا . ( 2 ) في ع : العظمى . ( 3 ) كذا في ع وى وك : هو بيت كبير يجمع فيه طعام السلطان . وهي مخازن الحبوب اليوم . وفى ا وح أمرائك . ( 4 ) من ع وى .